لغة العمارة

تمثل لغة العمارة في سياقها العام دلالات ورموز ثقافية منبعها العادات والتقاليد والقيم الثقافية والروحية والمؤثرات البيئية، والتي لا يمنع الاستمرار في توارثها أو استحداث دلالات ورموز جديدة تنسجم مع التطور الحاصل في ثقافة المجتمع ووسائل التقنية.

ولفهم مركبات العمارة وآلية تشكلها، فيجب علينا أن نتعامل مع العمارة على أساس أنها كائن حي يتفاعل معنا ونتفاعل معه من خلال لغة خاصة بها، تم الاصطلاح على تسميتها لغة العمارة. الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة استيعاب مفرداتها وعناصرها وتراكيبها التي تعطيها معنى واضح ومفهوم. يشكل للعمارة بنيتها وشخصيتها الواضحة المعالم والتي تمكننا من نسبتها إلى أمة معينة أو مجموعة ثقافية أو مرحلة زمنية.

ومثلما الحال عندما نريد تكوين علاقة ما مع أي أمة تختلف معنا في لغتها وثقافتها، فإن أول خطوة نبادر إليها هي تعلم لغة تلك الأمة حتى يسهل التفاهم ومن تمّ التعايش معها إذا اقتضى الأمر ذلك، وبالتالي فإن أول ما نتعلمه هو مفردات تلك اللغة وطريقة رسمها أو شكلها وبعد ذلك نحاول أن نكون من هذه المفردات كلمات ومن الكلمات جملا مفيدة وكلما أبحرنا في محيط هذه اللغة وحفظنا الكثير من كلماتها وتركيبها في صيغ وجمل مفيدة، وجدنا أنفسنا ننساق طواعية إلى أهمية الإلمام بقواعد هذه اللغة حتى تأتي الجمل مكتملة المعنى واضحة المغزى. وكلما زادت ثقافتنا في هذه اللغة كلما استطعنا أن نكوّن من تلك الجمل مواضيع تطول أو تقصر بقدر قدرتنا اللغوية أولا والتعبيرية ثانيا، حتى نصل إلى المرحلة التي نتمكن فيها من صياغة مجموعة من المواضيع في شكل أدبيات خالدة، تشكل بدورها منهجا في التعبير وتتحول مع مرور الزمن إلى إرث ثقافي يعبر عن هوية وشخصية تلك الأمة.

وبالتالي فإن فهمنا للعمارة في عمومها يستدعي بطبيعة الحال الإلمام بمفرداتها وعناصرها الأولية( باب، نافذة، ضواية، مشربية، قبة، قبو... الخ) ومن هذه المفردات تتشكل فراغات محدودة( حجرة، مطبخ، حمام... الخ) ومن مجموعة هذه الفراغات تتكون المباني( بيت، مسجد، مدرسة، متجر، مستشفى، مصنع... الخ) ومن مجموعة هذه المباني يتشكل الحي والقرية والمدينة. ويبقى التفاوت في القدرة على تشكيل العمارة بين معماري وآخر، فكلما اجتهد المعماري في الإلمام بالمفردات المعمارية وقواعد تشكيلها والظروف التي تحيط بها والثقافة التي تصنعها، كلما جاء عمله أكثر إبداعا.

إن القدرة على الإتيان بعمارة جديدة ومتميزة وخالدة يقتضي الإلمام بقواعد تشكيل مفرداتها وعناصرها المعمارية وهو بدوره يقودنا إلى تفهم القواعد التي تحكم عمارة الشعوب بمختلف ثقافاتها والمنطلقات والمعايير التي شكلت الاختلاف في العمارة والتنوع والطرز والتفاصيل. الأمر الذي سيقودنا إلى الإتيان بعمارة ذات معنى وتحمل دلالات ثقافية راسخة الجذور من خلال فهمنا الواضح للغة العمارة.